أبي حيان التوحيدي

38

المقابسات

من الذي قال منهم أنك صاحب هذا الأمر ، أو أومأ إليك [ بعينه ] أوهمهم بك في نفسه ؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك ، وعادوا كفارا زهدا فيك أو باعوا اللّه تعالى بهواهم بغضا لك [ وتحاملا عليك ؟ لا واللّه ! ] ولقد جاءني [ عقيل بن زياد الخزرجي في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي في ] قوم من الأنصار فقالوا : إن عليا ينتظر الإمامة ، ويزعم أنه أولى بها من أبى بكر [ وينكر على من يعقد الخلافة ] فأنكرت عليهم ، ورددت القول في نحورهم حتى قالوا : إنه ينتظر الوحي ويتوكف « 1 » مناجاة الملك . فقلت ذاك أمر طواه اللّه بعد محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) [ أكان الأمر معقودا بأنشوطة ، أو مشدودا بأطراف ليطه « 2 » ؟ كلا ؟ واللّه لا عجماء بحمد اللّه إلا أفصحت ، ولا شوكاء « 3 » إلا وقد تفتحت ] ومن أعجب [ شأنك ] قولك : لولا سابق [ عقد وسالف عهد ] لشفيت غيظي بخنصرى وبنصرى ؟ وهل ترك الدين لأحد أن يشفى غيظه بيده أو لسانه ؟ تلك جاهلية استأصل اللّه شأفتها ، واقتلع جرثومتها ، ونور ليلها ، وغور سيلها ، وأبدل منها الروح والريحان ، والهدى والبرهان . وزعمت أنك ملجم ؛ فلعمري إن من اتقى اللّه وآثر رضاه ، وطلب ما عنده ، أمسك لسانه ، وأطبق فاه ، وغلب عقله ودينه على هواه [ وجعل سعيه لما واراه ] وأما قولك : إني لأعرف منزع قوسي ، فإذا عرفت منزع قوسك ، عرف غيرك مضرب سيفه ، ومطعن رمحه . وأما ما تزعمه من الامر الذي جعله رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) لك فتخلفت إعذار إلى اللّه وإلى العارفة به من المسلمين ! فلو عرفه المسلمون لجنحوا إليه ، وأصفقوا عليه ، وما كان اللّه ليجمعهم على العمى ، ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى ، ولو كان لرسول اللّه فيك رأي وعليك عزم ثم بعثه اللّه فرأى

--> ( 1 ) يتوكف : ينتظر . ( 2 ) الليطة : قشرة القصبة التي تلزق بها ( 3 ) الشوكاء : النخلة أول طلوع شوكها